الشيخ محمد رشيد رضا
325
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
تكلم فيهم غير عبد اللّه بن شريك الذي بالغ الجوزجاني فوصفه بالكذب لكفى . ورواه ابن حبان وفي سنده عبد اللّه بن عمر الخراساني قالوا إن له مناكير . وطريق الجميع واحدة . وجعله دليلا على كون الميزان ذا كفتين ولسان غير متعين لامكان جعل الكلام استعارة مكنية ، وجعل الكفة ترشيحا لها فان باب المجاز في رجحان العقول والآراء والأقوال والاشخاص بعضها على بعض واسع جدا ، والتعبير عنها بالوزن والميزان كثير كما قلنا ، والمراد أن الحديث لا ينهض بسنده ولا بدلالته حجة على عقيدة قطعية ولا راجحة ، وقد رأيت كيف أن الحافظ بعد أن نقل عن الطبى ترجيح وزن الصحف والاستدلال عليه بالحديث تقوية لاثر ابن عمر به - قال والصحيح أن الاعمال هي التي توزن واستدل بحديث وزن الاخلاق وهو صحيح وقد عده معارضا لحديث البطاقة الذي لا يبلغ درجته في الصحة وقد استشكل العلماء متن هذا الحديث بأنه يدل على أن كلمة من ذكر اللّه ترجح على ما لا يحصى من الذنوب وذلك يفضي إلى اباحتها والاغراء بها وإلى ترك الواجبات وهو مخالف لكثير من النصوص القطعية ، واستدل به المرجئة على قولهم أنه لا يضر مع الايمان ذنب ، وأجاب الجمهور بأجوبة لعل أقواها ما أشار اليه الترمذي من أن وجه تخليص صاحب البطاقة بالشهادتين أنه مات على الايمان والظاهر أنه كان كافرا فآمن فمات قبل أن يتمكن من الأعمال الصالحة ولا خلاف في نجاة مثله * * * ( 9 ) وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ تقدم أن اللّه تعالى بدأ هذه السورة بذكر إنزال الآن على خاتم الرسل لينذر به جميع البشر فيما يدعوهم اليه من دينه ، وبيان أساس الدين الإلهي وهو أن واضع الدين هو اللّه تعالى رب العباد فالواجب فيه اتباع ما أنزله إليهم وأن لا يتبعوا من دونه أولياء يتولونهم ويعملون بما يأمرونهم به من عبادة وحلال وحرام وأنه قفى على ذلك ببيان نوعي العذاب الذي أنذر به من يتبعون أولئك الأولياء أي عذاب الدنيا وعذاب الآخرة . فهذا موضوع الآيات السابقة ولما كان الدين الذي أمر تعالى باتباع التنزيل فيه دون غيره - الا ما بينه من سنة الرسول المنزل عليه بأمره - هو دين الفطرة المبين لكل ما يوصلها إلى كمالها